أبي منصور الماتريدي
14
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
غيرهم ] « 1 » إذا اقتص ارتفع عنه العذاب الأليم ، وإن لم يقتص فلا . وجائز عندنا : أن يكون العذاب الأليم في الدنيا ، إذ لم يخلق شئ من العذاب أشد من القتل ؛ إذ القتل هو الغاية من الألم والوجع . والله أعلم . وقوله : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . قيل : فيه بوجهين ، وإلا فظاهر القصاص لا يكون حياة ، لكن قيل « 2 » : من تفكره في نفسه قتلها إذا قتل آخر ارتدع عن قتله ، فتحيا النفسان جميعا . والثاني : من نظر فرأى آخر يقتل بغيره امتنع عن قتل [ آخر ففيه حياته أو تذكر أنه مقتص منه إذا قتل حمله حبه في إحياء نفسه على أن يرتدع عن قتل ] « 3 » كل ، ففيه الحياة للأنفس جميعا ؛ ولهذا نقول بوجوب القصاص في الأنفس كلها وإن اختلفت أحوالها ، إذ لو لم يجعل بين الأنفس على اختلاف الأحوال قصاص لم يكن في القصاص حياة . فأحق من يجعل فيه القصاص عند مختلف الأحوال لما يغضب الشريف على الوضيع فيحمله غضبه على قتله ، فجعل القصاص ، أو لما يستخف به . وأما الوارث لما يطمع وصوله إلى مورثه فيحمله على قتله ، فسبب القتل ليس ما يذكر ، لكنه شدة الغضب « 4 » ، وفي المواريث زيادة ، وهو ما يصل إلى ماله ، وفي الكافر من استخفافه بدينه « 5 » من المقتول ، فطلب فيه المعنى الذي فيه الإحياء وهو حرمان الميراث ؛ فعلى هذا التقدير يقتل المسلم بالكافر ؛ لأن المسلم قد يستخف بالكافر في دار سلمه ، فيحمله استخفافه إياه على قتله . ففيه معنى يدعو إلى الفناء ، فيجب أن يقتص من المسلم بالكافر لتحقيق معنى الحياة . وعلى هذا التقدير يقتل الحر بالعبد ؛ لأن الحر يستخف بالعبد ، فيدعوه استخفافه به على قتله ، فهو يقتل به . أو نقول : يقتل الولد بالوالد لما يستعجل الوصول إلى ملكه ، فيحمله على قتله ؛ فلزم حفظ ما لأجله الحياة ، ثم في الوالد شفقة ومحبة تمنع الوالد عن قتل ولده ؛ لذلك انتهى عنه القصاص ، وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام : « لا يقاد الوالد بولده » « 6 » . وبالله التوفيق .
--> ( 1 ) سقط في ط . ( 2 ) قاله قتادة بنحوه ، أخرجه ابن جرير ( 2627 ، 2628 ) ، وعبد الرزاق وعبد بن حميد كما في الدر المنثور ( 1 / 318 ) . ( 3 ) ما بين المعقوفين سقط في أ ، ط . ( 4 ) زاد في ب : إلى . ( 5 ) في أ : بذنبه . ( 6 ) أخرجه : الترمذي ( 4 / 19 ) كتاب : الديات ، باب : الرجل يقتل ابنه هل يقاد منه أم لا ؟ حديث -